يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
466
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
إليه وسلما عليه ، فقال : وعليكما السلام ورحمة اللّه وبركاته . فقال له عمر : من أنت يرحمك اللّه ؟ . قال : راعي إبل وأجير قوم . قالا : لا نسألك عن الرعاية ولا عن الإجارة ؛ فما اسمك ؟ . قال : عبد اللّه . قالا : قد علمنا أن أهل السماوات والأرض كلهم عبيد للّه عز وجل ، فما الذي سمتك به أمك ؟ . قال : يا هذان ماذا تريدان ؟ . قالا : وصفك لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعرفناك بصفتك . فبكى أويس بكاء شديدا وقال لهما : عسى أن يكون ذلك غيري . فقالا له : وأخبرنا عليه الصلاة والسلام أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء فأوضحها لنا . فأوضح منكبه فإذا اللمعة تحته ، فابتدرا إليه وجعلا يقبلانه ويسألانه أن يستغفر لهما . فقال : ما أخص باستغفاري نفسي ولا واحدا من بني آدم ، ولكنه في البر والبحر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ، يا هذان من أنتما ؟ . قال علي : هذا عمر أمير المؤمنين وأنا عليّ بن أبي طالب . فقال : جزا كما اللّه عن هذه الأمة خيرا ، وبدا منه الفرح والاستبشار . فقالا له : وأنت جزاك اللّه عن نفسك خيرا ، ثم قال له عمر : مكانك رحمك اللّه حتى أدخل مكة فآتيك بنفقة وفضل كسوة من ثيابي . فقال : يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك ، ولا أعرفك ولا تعرفني بعد اليوم ، وما أصنع بالنفقة والكسوة ؟ أما ترى عليّ إزارا من صوف ورداء من صوف ، متى ترى أني أخرقهما ؟ أما ترى نعلي مخصوفتين متى ترى أبليهما ؟ وقد أخذت من رعايتي أربعة دراهم فمتى تراني أنفقها ؟ . يا أمير المؤمنين إن بين يدي عقبة لا يقطعها إلا كل مخف ، فأخف يرحمك اللّه . فلما سمع عمر كلامه ضرب بيديه إلى الأرض ونادى بأعلى صوته : ألا ليت عمر لم تلده أمه ، ليتها عقرت لم تعالج حمله . وولى عمر وعليّ رضي اللّه عنهما نحو مكة ، وساق أويس الإبل لأصحابها ، وخلى عن الرعاية وأقبل على العبادة ، حتى لحق باللّه عز وجل ، وكان في موته عبرة . قال عبد اللّه بن سلمة : غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب ومعنا أويس القرني ، فلما رجعنا مرض فمات ، فنزلنا فإذا قبر محفور وماء مسكوب وكفن وحنوط ، فغسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه . فقال بعضنا لبعض : لو رجعنا فعلمنا قبره ، فرجعنا فإذا لا قبر ولا أثر . وله فضائل كثيرة اختصرتها ، رضي اللّه عنه . وتقدّم قول اللّه تعالى : ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [ الأعراف : 177 ] إعرابه : ساء مثلا : مثل القوم ، والذي نزلت فيه وضرب مثله بالكلب هو : بلعم بن باعورا ، وكان مجاب الدعوة ، يعلم اسم اللّه الأعظم ، وكان من مدينة الجبارين ، وقيل من اليمن . فلما أقبل موسى في بني إسرائيل يريد قتالهم سأل الجبارون بلعم بن باعورا أن يدعو على موسى ، فقام ليدعو ، فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه ، فقيل له في ذلك